Histoire du drapeau marocain

منذ أن اعتمده السلطان يوسف بن الحسن في السابع عشر من نونبر سنة 1915 علما رسميا للمغرب يعتبر اللّواء الأحمر الذي تتوسّطه نجمة خضراء خماسية الفروع الشعار السياسي الأبرز في بلادنا. فهو يرفرف فوق المباني الرسمية ويزين الشوارع والأزقة ويحمله المشجعون ويرفعه الرياضيون ويتغنى به الأطفال ويوضع على نعوش الشهداء. ولئن كان المغاربة يتعرفون على علمهم من بين ألف علم فإنهم لا يعرفون إلا القليل عن تاريخه ورمزيته. تعالوا بنا إذن لنكتشف هذا التاريخ ونكشف عن هذه الرمزية.

يرجع استعمال العلم إلى أقدم العصور. إذ كانت تستخدمه العديد من الجماعات البشرية للدلالة على وحدتها وقوتها وعلاقتها المتينة بالمقدس لاسيما أثناء الحروب. وقد تنبه الحكام في فارس والعراق ومصر في وقت مبكر لأهمية هذه الأداة فاتخذوا لأنفسهم أشكالا وألوانا وأحجاما محددة لا يشاركهم فيها أحد وذلك للاستفادة من حمولتها الرمزية. سرعان ما أصبح العلم شعارا سياسيا يميز الحاكم عن الرعية ويظهر أنه مركز السلطة الوحيد. انتقلت هذه العادة تدريجيا إلى مختلف بقاع الأرض بما فيها دار الإسلام.

يروي أصحاب التواريخ والسير أن النبي محمد استعمل مجموعة من الأعلام بعد استقراره في المدينة سنة 622 ميلادية. لكن هناك اختلاف كبير حول عددها وألونها ومقاييسها. إذ يزعم البعض أن الأبيض هو لون أهم أعلام الرسول فيما يزعم البعض الاخر أنه كان أسودا.  مهما يكن من أمر فقد سار الخلفاء على هذا النهج. إذ تبنى الأمويون الأبيض كلون رسمي بينما اعتمد العباسيون الأسود.

بدأ الضعف يدب في أوصال الخلافة العباسية في بداية القرن التاسع حيث ظهرت تدريجيا العديد من الكيانات المستقلة. لكن معظمها فضل المحافظة على علاقة تبعية اسمية مع بغداد. لذلك استمر حكامها في استعمال الأعلام السوداء. أما الذين ارتأوا قطع هذه العلاقة فقد تبنوا مجموعة من الشعارات المضادة لاسيما العلم. فقد استعمل أمويو الأندلس علما أبيض ليس فقط للتعبير عن استقلالهم بل للتأكيد على أحقيتهم بالخلافة.

مما لا شك فيه أن حكام المغرب استعملوا الأعلام منذ زمن سحيق. لكننا لا نتوفر على معلومات دقيقة إلا ابتداء من القرن الحادي عشر.

عندما قرر الأمير يوسف بن تاشفين المرابطي مبايعة الخليفة العباسي لشرعنة حكمه اضطر إلى إبراز علم أسود كبير في كل المراسم والمحافل. لما وصل الموحدون إلى السلطة في القرن الثاني عشر واستولوا على معظم بلاد المغرب الكبير أعلنوا أنهم ورثة الخلافة الشرعيين على غرار الأمويين لذلك اتخذوا من الأبيض لونا رسميا لعلمهم الذي أطلقوا عليه اسم « العلم المنصور ». ولتأكيد أهميته الرمزية كان هذا الشعار العظيم يحاط بستة أعلام صغيرة مختلفة الألوان.

حافظ المرينيون والزيدانيون على هذه العادة لاسيما تحت حكم السلاطين أبي الحسن وأبي عنان وأحمد المنصور تعبيرا على استمرارية واستقلال خلافة المغرب. بعد وفاة هذا الأخير دخل المغرب في أزمة سياسية خطيرة أتت على الأخضر واليابس فاندثرت مجموعة من التقاليد السياسية خصوصا « العلم المنصور » إذ لم يتبناه العلويون بعد وصولهم للحكم لقلة اهتمامهم بالرموز في بداية عهدهم.

في بداية القرن السابع عشر استقر الأندلسيون في الرباط وأسسوا جمهورية مستقلة شعارها الرسمي علم أحمر. وبعد أن ضم العلويون هذه المدينة إلى ممالكهم بدأ العلم الأحمر يفرض نفسه تدريجيا كشعار رسمي لهذا البيت الحاكم يحمله الحرس السلطاني. أجبرت هزيمة إسلي سنة 1844 سلاطين المغرب على نهج سياسات تحديثية ولو على نطاق ضيق مما أدى إلى تغلغل العديد من الأفكار السياسية الغربية في الأوساط المغربية لاسيما كل ما يتعلق بالوطن والمواطنة. فقد أخذت معاني بعض الشعارات تتغير رويدا رويدا إذ لم يعد العلم يعكس مركزية الحاكم بل أصبح رمزا وطنيا يبين مركزية الدولة-القومية.

ترجع فكرة جعل العلم الأحمر شعاراً وطنياً حسب الوثائق المتوفرة إلى سنة 1906. إذ قدم الفقيه علي زنيبر مذكرة تدعو إلى إصلاح المخزن عنوانها « حفظ الاستقلال ولفظ سيطرت الاحتلال » إلى السلطان عبد العزيز حيث يؤكد المؤلف في موضعين مختلفين أن العلم الأحمر هو رمز استقلال المغرب والمساواة بين أهله.

لم تمنع مطالب ومحاولات الإصلاح الخجولة وعمليات المقاومة المغرب من السقوط تحت براثن الاستعمار. وقد خولت معاهدة فاس الموقعة سنة 1912 صلاحيات واسعة للسلطات الفرنسية من أجل حماية وتحديث المغرب. كانت من بين المهام التي أوكلت للمقيم العام اختيار علم جديد يميز المغرب عن باقي الدول خصوصا في المحافل الدولية. رفض ليوطي ومعاونوه اعتماد العلم الأحمر لأنه يعود لفترة ما قبل الاستعمار ويشبه شعارات الحركات اليسارية. بعد مشاورات طويلة قرر الفرنسيون وضع نجمة خماسية خضراء وسط العلم الأحمر.

هنا يتبادر سؤال بسيط إلى الذهن: ماهي رمزية هذه النجمة؟ على غرار من سبقهم من الأمم والشعوب استعمل الحكام المسلمون النجمات الخماسية والسداسية منذ القرن السابع تحت مسمى « خاتم سليمان » لأنها تمنح لأصحابها حسب المعتقدات المحلية شجاعة وعلم وعدل وشرعية هذا النبي الملك. وقد استعار اليهود هذا الشعار من المسلمين في القرون الوسطى وأعطوه معان جديدة. وهو ما يتبث أن يهود المغرب لم يكن لهم أي دور في تبني النجمة. أما اللون الأخضر فهو يرمز إلى الانتماء لبيت الرسول لذلك كانت ومازالت تستعمله الطرق الصوفية بكثافة.

مهما يكن من أمر فقد أصدر السلطان يوسف ظهيرا يوم 17 نونبر 1915 أي قبل 100 عام يرسّم بموجبه علمنا الوطني. إلا أنه لم يكن يعتبره شعارا وطنيا بل مجرد رمز عائلي سرعان ما تخلى عنه لصالح علم أخضر تتوسطه نجمة ذهبية. وهو نفس العلم الذي يحييه ملوك المغرب إلى يومنا هذا في بداية معظم أنشطتهم الرسمية. هكذا أضحى للمغرب ولأول مرة في تاريخه علمان رسميان يرمز أحدهما للبيت الحاكم والآخر للدولة-القومية.

تبنت الحركة الوطنية هذا العلم بدون تردد منذ بزوغها في مطلع الثلاثينات ليحتل مكانة مهمة في كل التظاهرات المناهضة للاستعمار والمناسبات الرسمية وهو ما اضطر محمد الخامس إلى تبنيه نهائيا سنة 1947 حيث أمر برفعه فوق أحد أجنحة قصره في الرباط.

بعد الاستقلال حظي العلم الأحمر بتكريس دستوري حينما جعل منه القانون الأساسي الصادر سنة 1962 في فصله السابع الشعار الوطني بامتياز وهو ما أكدته الوثائق الدستورية الموالية والاستعمالان الرسمي والشعبي.