كثيراً ما طُرحت فرضية تربط بين الفقر والحركات الاجتماعية.

frFrançais (الفرنسية)

لذلك ترغب “طفرة” من خلال هذا البحث الخرائطي في العودة لحالة حراك الحسيمة الذي بدأ في 28 أكتوبر 2016 والذي ما يزال محور الخبر السياسي المغربي بعد أزيد من سنتين من انطلاقه.

ويسعى هنا عالم الجغرافيا دافيد غوري إلى تسليط الضوء على الرهانات السوسيو-اقتصادية الكامنة وراء الحراك، وذلك من خلال اللجوء إلى خرائط خاصة بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، معتمداً في ذلك على طريقتين تمثيليتين: خريطة الجماعات المحلية حسب مساحتها، وخريطة بيانية لهذه الجماعات حسب ثقلها الديمغرافي.

منذ زلزال سنة 2004، عرفت معدلات الفقر تراجعاً مهماً

في سنة 2004، كان معدل الفقر في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة من بين أعلى معدلات الفقر في المغرب (تم قياسه عن طريق مؤشر الفقر متعدد الأبعاد). إذ إن تنفيذ برامج البنية التحتية في إقليمي الحسيمة وشفشاون طاله تأخير كبير، كما أن مستوى العيش في الإقليمين كان دون المعدل المسجل في المغرب. وهكذا في سنة 2004، بلغ معدل جماعات الحسيمة في مؤشر الفقر متعدد الأبعاد 22% مقابل 18.1% في باقي مناطق البلاد. غير أن زلزال 24 فبراير 2004 أظهر الهشاشة الكبيرة التي يعاني منها الإقليم. وبالتالي، تم توظيف استثمارات كبيرة جداً، سواء في مجال البنية التحتية أو الإسكان أو حتى الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية، خاصة بفضل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

وفي سنة 2014، كان معدل مؤشر الفقر متعدد الأبعاد قد تراجع بصورة كبيرة، وشهدت الجماعات انتعاشاً حقيقياً، حيث أصبح معدلها في هذا المؤشر 6% مقابل 7% في باقي أنحاء المغرب. كما حلت مدينة الحسيمة وجماعتا إمزورن وبني بوعياش المجاورتان لها ضمن الجماعات (البالغة نسبتها 10%) الأقل فقراً في المغرب بمعدل يصل إلى 0.6% في مؤشر الفقر متعدد الأبعاد.

بيد أن الانخفاض الكبير في معدل الفقر لم يسفر عن تحسن شامل في ظروف العيش السوسيو-اقتصادية، بل على العكس من ذلك، تظل مدينة الحسيمة ونواحيها تعاني من معدل بطالة مرتفع جداً يتجاوز 21%، وهو ما يفوق بكثير المعدل الجهوي للجماعات الذي يستقر في 12%.

وتبقى مدينة الحسيمة بعيدة عن الدينامية الاقتصادية الجهوية، مع توفرها على أحد أضعف معدلات التشغيل في القطاع الخاص، حيث لا يتجاوز 42%، في حين يفوق 50% في باقي مدن الجهة. وبالتالي، لم تنجح الاستثمارات الحكومية في تحفيز الاستثمارات الإنتاجية الخاصة. ونتيجة لذلك، يجد السكان، والشباب على وجه الخصوص، أنفسهم دون آفاق تذكر، لكن دون أن تصل ظروف عيشهم إلى درجة العوز.

هذا وتسمح إعادة بناء المدينة للأسر بالتوفر على منازل جديدة، بينما يظل معدل السكن العشوائي ضعيفاً جداً حيث لا يصل إلى 3%. وأخيراً، فإن انخفاض أسعار المنتجات الاستهلاكية، وخاصة خدمات الهاتف، قد أدى إلى ارتفاع نسبة اقتناء التجهيزات المنزلية، حيث تتوفر 96% من الأسر بالحسيمة على هاتف محمول مقارنة بمعدل 88% في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، كما تعد نسبة اقتناء التجهيزات المنزلية بالحسيمة من بين الأعلى فيما يخص خدمة الإنترنت (المرتبة الثالثة على مستوى الجهة بنسبة 34% من الأسر) ومن حيث عدد الأسر التي تتوفر على حاسوب خاص (المرتبة الثانية على مستوى الجهة بنسبة 40% من الأسر).

مع ذلك، يجب التأكيد على استمرار عجز حاد فيما يتعلق بالوصول إلى الخدمات الصحية في المناطق القروية في الجماعات القريبة من المدينة. إن هذا الفشل في تقديم الخدمات العمومية ينطوي على شعور بانعدام المساواة على المستوى الإقليمي يتجلى في التضامن مع المجتمعات الجبلية.

تعبئة اجتماعية متكررة في سياق عزوف انتخابي وهيمنة “حزب الأصالة والمعاصرة”

في سنة 2011، كان إقليم الحسيمة واحداً من بين أكثر الأقاليم تعبئة أثناء قيام حركة 20 فبراير، ما أدى إلى ظهور تدفقات كبيرة من المشاركين تشهد على قوة الحركات الاحتجاجية. وقد استمرت هذه الاحتجاجات في سنة 2011 لتتجلى في معدل مشاركة ضعيف في الانتخابات التشريعية لنفس السنة وصل إلى 37%، ما جعله في الرتبة 12 من بين أضعف المعدلات في البلاد.

ورغم أن “حزب الأصالة والمعاصرة” المقرب من القصر كان يتعرض لانتقاد شديد من المتظاهرين، إلا أنه تصدر الانتخابات بنسبة 28% من الأصوات المحتسبة البالغ عددها 686 57، أي أنه حصل على 484 16 صوتاً مقارنة بـ”حزب الاستقلال” (426 12 صوتاً)، و”الحركة الشعبية” (9613 صوتاً) و”الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” (5584 صوتاً).

بعد ذلك بأربع سنوات، ارتفع معدل المشاركة في الانتخابات الجماعية والجهوية في 4 سبتمبر 2015 بشكل كبير حيث تضاعف تقريباً عدد الأصوات المحتسبة (439 100) في إقليم الحسيمة على سبيل المثال، لكنه ظل أقل من 50% في عدد كبير من جماعات جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، خاصة في المدن الكبرى. كما أنه في مدينة الحسيمة، لم يشارك في الانتخابات سوى 31% من الأشخاص المسجلين، مقارنة بمعدل 60% في الجماعات الأخرى من الإقليم، وهو أضعف معدل مشاركة في الإقليم، متبوعاً بإمزورن بنسبة 44%. ويأتي هذا المعدل أيضاً في المرتبة 15 وهو أضعف معدلات المشاركة في الجماعات على صعيد المغرب، وفي المرتبة الثانية في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة.

مع ذلك، حل “حزب الأصالة والمعاصرة” المقرب من القصر في الصدارة بفارق كبير في الأصوات في 25 جماعة من بين 33، بنسبة تتجاوز 46% من الأصوات المحتسبة. وقد فاز الحزب بالرئاسة في 23 جماعة، من بينها الحسيمة وإمزورن. هذا وقاد إلياس العماري المنحدر من الإقليم حملة انتخابية مكثفة، حيث قام بزيارة الجماعة القروية النكور (كان عدد سكانها يبلغ 8963 شخصاً في 2014) شخصياً من أجل الفوز برئاسة المجلس الجهوي. وقد نجح العماري في تعبئة 766 44 ناخباً، مضاعِفاً عدد الموالين للحزب بثلاث مرات، حيث ركز بشكل كبير على الجماعات القروية التي ترتفع فيها نسبة المشاركة وحيث يمكن أن يتجاوز الحزب نسبة 60% من الأصوات المحتسبة، وبذلك سيطر “حزب الأصالة والمعاصرة” على المجلس الإقليمي. زد على ذلك أنه بفضل أصوات إقليم الحسيمة، تمكن الحزب من التفوق على “حزب العدالة والتنمية” وحصل على رئاسة جهة طنجة-تطوان-الحسيمة بفضل دعم كل من “الحركة الشعبية” و”التجمع الوطني للأحرار”.

وفي 17 أكتوبر 2015، استفاد الإقليم من برنامج تنموي مهم أطلقه الملك محمد السادس، يحمل مسمى “الحسيمة، منارة المتوسط”، حيث تمت تعبئة مبلغ 6.5 مليار درهم من أجل تزويد الإقليم، وخاصة مدينة الحسيمة، بتجهيزات كبرى بهدف تعزيز جاذبيتها.

وفي يناير 2016، سمحت النجاحات السياسية التي حققها إلياس العماري بأن يصبح الأمين العام لـ”حزب الأصالة والمعاصرة” من أجل الاستعداد للانتخابات التشريعية في 7 أكتوبر 2016، غير أن المشاركة عرفت انخفاضاً بنسبة 21% على المستوى الإقليمي، حيث تراجع عدد الأصوات المحتسبة من 439 100 إلى 728 79 في 2016. ومع ذلك، كان “حزب الأصالة والمعاصرة” نسبياً أقل المتأثرين بهذه الدينامية، حيث لم يخسر سوى 8% من ناخبيه لسنة 2015، ما سمح له بالحصول على أزيد من 52% من الأصوات المحتسبة، محققاً ثاني أفضل أداء له في المنطقة على الصعيد الوطني. ونتيجة لذلك، هيمن “حزب الأصالة والمعاصرة” على المشهد الانتخابي في سياق يشهد ارتفاعاً في نسبة العزوف عن التصويت.

في 28 أكتوبر 2016، بعد الانتخابات بأقل من ثلاثة أسابيع، لقي بائع السمك محسن فكري حتفه سحقاً بآلية الضغط الخاصة بشاحنة نفايات في الحسيمة، حين كان يحتج على مصادرة بضاعته، التي كانت عبارة عن سمك “أبو سيف” الذي أخرجه بطريقة غير قانونية من الميناء. وقد أدت فظاعة الصور إلى موجة من الغضب والمظاهرات في ليلة 29 أكتوبر، حيث استمرت هذه المظاهرات ليتمخض عنها “الحراك” الذي كان يهدف إلى التنديد بالتأخير الذي تعرفه مجموعة من مشاريع البنية التحتية، خاصة الطرقية منها (حيث ما تزال الأشغال قائمة في محور تازة – الحسيمة)، فضلاً عن الاختلالات في النظام الاستشفائي، وعدم وجود جامعة وأخيراً غياب الفرص الحقيقية أمام الشباب، المحكوم عليهم إما بالهجرة أو الأنشطة غير النظامية، أي أنشطة التهريب وتلك غير المشروعة.

وفي 26 مارس 2017، وصل “الحراك” إلى جماعتي إمزورن وبني بوعياش حيث وقعت اشتباكات مع قوى الأمن. وقد تصاعد التوتر بين المتظاهرين والسلطات، فيما عرف “الحراك” انتشاراً واسعاً على شبكات التواصل الاجتماعي عبر وسائل الإعلام المحلية. كما ازدادت تعبئة الساكنة طوال شهر مايو، بالرغم من تدخل الحكومة وزيارة عدد من الوزراء للمنطقة. هذا ولم يؤد اعتقال عدد من شخصيات الحراك البارزة، خصوصاً ناصر الزفزافي (في 30 مايو) عقب مقاطعته لخطبة الجمعة في 26 مايو بمسجد محمد الخامس بالحسيمة، إلى فقدان الحراك لزخمه، حيث حصل على دعم متزايد في بقية أنحاء البلاد، كما تم تنظيم مسيرة كبرى في الرباط لدعمه في 11 يونيو. ولم تخف حدة التعبئة إلا بعد حملة اعتقالات واسعة، لاسيما بعد اشتباكات 20 يوليو.

خاتمة

في الختام، يندرج “حراك” الحسيمة ضمن الديناميات الاجتماعية والسياسية المعقدة. أولاً، لم يُمَكن الحد من الفقر وإقامة البنيات التحتية من خلق دينامية اقتصادية مولدة لفرص العمل. إلا أنها أتاحت وصولاً هائلاً لتكنولوجيات المعلومات والاتصالات الحديثة (الهاتف المحمول والحاسوب والإنترنت)، لتصبح هذه الأخيرة هي الوسائل الرئيسية للتعبير السياسي الذي سمح بتنظيم مظاهرات كبرى في 2011 و2016 و2017 ومن ثم نشر المطالب المحلية على المستوى الوطني.

وهكذا، تُحرر شبكات التواصل الاجتماعي المواطنين من الهياكل التقليدية للتأطير السياسي، خاصة الممثلين المنتخبين. هذا ومن الممكن ملاحظة أنه كلما زاد اتصال المواطنين بالانترنت، ارتفع معدل العزوف عن التصويت في الانتخابات. لذلك، حتى مع حصول حزب كـ”حزب الأصالة والمعاصرة” على شبه هيمنة سياسية في أعقاب انتخابات 2015 و2016، فإن شرعية المسؤولين المنتخبين آخذة في التناقص لأنهم مدعومون من قبل مجموعة محدودة من المواطنين.

وبالرغم من المشاريع التي تم إنجازها والإعلان عن مشاريع أخرى أكثر طموحاً، فإن كل هذه المشاريع تبدو غير قادرة على الاستجابة لتوقعات المواطنين الأساسية، وأهمها الحصول على وظائف لائقة وخدمات عمومية فعالة. وهكذا يقوم المواطنون بالتعبئة من أجل مساءلة الحكومة مباشرة، مما يؤكد فقدان المنتخبين المحليين والعمليات الانتخابية للمصداقية.