إعلا نات إلى الرئيسية

لماذا يجب رفع الحجر عن معطيات المندوبية السامية للتخطيط

Français (الفرنسية)

في دراسة بعنوان “جائحة كوفيد-19 في السياق الوطني” نُشرت في 16 ماي 2020، اتخذت المندوبية السامية للتخطيط، كما جاء في ديباجة المندوب السامي للتخطيط السيد أحمد لحليمي العلمي، خطوة “قد تبدو غير مسبوقة ضمن الأشغال التقليدية للمندوبية”، والتي تتمثل مهمتها في أن تكون “المنتج الرئيسي للمعلومة الإحصائية الاقتصادية والديمغرافية والاجتماعية، والجهة المكلفة بإعداد حسابات الوطن”.

ويوضح السيد أحمد لحليمي العلمي أن وضع السيناريوهات ينبغي أن يؤخذ “كإجراء منهجي أو حتى بيداغوجي، كما ينبغي اعتبار خلاصاته بمثابة مؤشرات حول الاتجاهات لا غير، حيث إنها تفيد في تنبيه الرأي العام وتحفيز الباحثين وربما تنوير مراكز صنع القرار، دون أن تدعي أي كفاءة حصرية أو شمولية موضوعاتية أو مشروعية مؤسساتية معينة”.

لذلك فإنه من دواعي سرورنا أن ننخرط نحن كذلك في هذه الخطوة، وأن ندلو بدلونا مضيفين للنقاش العمومي قراءتنا وتساؤلاتنا حول هذه الدراسة.

سيناريوهات المندوبية السامية للتخطيط

تتعرض المندوبية في دراستها لأربعة سيناريوهات كبرى: (1) سيناريو “التطور الطبيعي” القائم على تقدير تطور الوباء في المغرب في حال لم يتخذ المغرب أي إجراء وقائي، و(2) سيناريو “اتجاهي” يفترض أن المغرب سيستمر في الحجر القائم، إلى جانب سيناريوهين وسيطين، حيث يتم رفع بعض القيود المرتبطة بالحجر الصحي. وللوصول إلى هذه التوقعات، تستخدم المندوبية نموذجاً قياسياً وهو نموذج “SIR”، حيث تقسم الساكنة إلى ثلاث فئات كبرى: المصابون الذين قد ينقلون العدوى للساكنة المعرضة للإصابة، والذين يتم استبعادهم بعد فترة معينة سواء لأنهم تعافوا أو توفوا. ويعتمد النموذج على عدد مهم وهو معدل التكاثر الأساسي (R0) الذي يقوم بحساب معدل الأشخاص الذين تنتقل إليهم العدوى من شخص مريض، ويتم تقديره انطلاقاً من ثلاثة معايير: عدد المخالطين للشخص، واحتمال الإصابة بعد المخالطة، والمدة الزمنية التي تنتقل فيها العدوى.

معايير لا تتلاءم مع السياق المغربي؟

إن المجموعة الأولى من تساؤلاتنا تتعلق بالمعايير المستخدمة من طرف المندوبية السامية للتخطيط. إذ تستعين هذه الأخيرة بمعايير دراسات صينية لوضع سيناريو التطور الطبيعي. غير أن بعض معايير هذا النموذج سياقية، أي أنها ليست بيولوجية، وإنما تعتمد على المجتمع الذي ينتشر فيه الوباء. وبالتالي، في مجتمع كالمجتمع الصيني، حيث تضم الأسر عدداً قليلاً نسبياً من الأفراد، وذلك نتيجة سياسة الطفل الواحد، يرجح أن يكون عدد المخالطين للشخص أقل مقارنةً بالمغرب. وإذا كان الحال كذلك، فإن المندوبية تستصغر في تقديراتها انتشار الوباء. لذلك فإننا نرغب في معرفة الأسباب التي دفعت المندوبية إلى عدم القيام بالتقديرات الخاصة بمعايير سيناريو التطور الطبيعي بناءً على معطيات مغربية.

وعلى النحو ذاته، في سعيها لوضع السيناريو الاتجاهي، استمدت المندوبية السامية للتخطيط معاييرها الثلاثة من مجموعة من التقديرات الإحصائية القائمة على انتشار الوباء منذ شهر مارس 2020. وكما هو الحال بالنسبة لأي تقدير إحصائي، تتضمن هذه التقديرات هامش خطأ معين، يكبر كلما صغرت العينة المستخدمة لاحتساب هذه التقديرات. من جهة أخرى، وانطلاقاً من البيانات ذاتها، هناك العديد من المناهج لتقدير هذه المعايير، لكل واحد منها مزاياه وعيوبه، ولكل منها تقديراته المختلفة. لكن المذكرة المنهجية المرفقة بالدراسة لا تُفصل بالشكل الكافي المنهجية المستخدمة لتقدير هذه المعايير. علاوة على ذلك، كان من المستحسن أن تكون التقديرات مصحوبة بهامش الخطء المتصل بها، وذلك حتى يتسنى للسياسات العمومية تبني مقاربة أكثر تحفظاً إزاء كل واحد من السيناريوهات المقدمة.

المشكلة في النموذج

إننا نتساءل أيضاً حول كون النموذج المستخدم من طرف المندوبية السامية للتخطيط لا يبدو ملائماً لخلاصات الدراسة. وعلى وجه التحديد، فإن (1) سيناريوهي الحجر الموضوعين يتوقعان رفع الحجر عن الساكنة الشابة مع استمرار تطبيق إجراءات الحجر على الأكبر سناً، كما أن (2) المندوبية قدمت خلاصات حول قدرة المستشفيات على استيعاب المرضى. إن النموذج المستخدم يعتبر الساكنة كياناً متجانساً، وبتعبير آخر، فإن النموذج لا يفرق بين الفئات الشابة والأكبر سناً، كما أنه لا يميز بين الأشخاص المتعافين والمتوفين الذين يدخلون في فئة المستبعدين، علماً أنه قد ثبت أن هاتين الفئتين لهما علاقات اجتماعية مختلفة ومخالطين مختلفين، وأن درجة فتك الفيروس تختلف كثيراً بين هاتين الفئتين. علاوة على ذلك، لا يأخذ النموذج صراحة بعين الاعتبار العبء الذي تتحمله المستشفيات. لذلك فإننا نود معرفة السبب وراء عدم اختيار المندوبية تقدير نموذج مقسم يأخذ بعين الاعتبار الاختلاف بين الفئات العمرية والساكنة الخاضعة للرعاية الطبية، رغم أن هذه النماذج هي امتدادات معروفة لنموذج “SIR” القياسي.

وأخيراً، فإننا نتساءل حول إمكانية تحقق السيناريوهين الوسيطين اللذين شملتهما المندوبية السامية للتخطيط في تقييمها. ويقترح السيناريو الأول رفع الحجر عن كافة الأشخاص ما دون سن 65، فيما يدعو الثاني، وهو الأكثر تحفظاً، إلى رفع الحجر عن الأشخاص النشيطين من ضمن هذه الفئة، والذين لا يعانون من أمراض مزمنة. غير أنه في المجتمع المغربي، قد يعيش أشخاص من عدة أجيال مختلفة تحت سقف واحد، ما يفرض إدراج تقسيمات للفئات الأكبر سناً والفئات الشابة ضمن النموذج، ويطرح أسئلة عديدة حول إمكانية تحقق هذين السيناريوهين. وفي هذا الصدد، كان من الأجدر التفكير في سيناريوهات أكثر واقعية، تشمل الارتداء الإلزامي للأقنعة، وعزل المصابين، ووضع مخالطيهم في الحجر الصحي.

من أجل رفع الحجر عن المعطيات العمومية

بالنظر إلى هذه التساؤلات يبدو من المرجح أن هذا النموذج يعاني من نفس أوجه القصور الملاحظة في نماذج تقديرية مشابهة، والإشارة هنا تحديداً إلى الانحياز الكبير الذي يشوب مثل هذه النماذج. يُذكر أن المندوبية السامية للتخطيط بحوزتها كنوز من المعطيات الدقيقة (micro-données) حول الساكنة المغربية، بما من شأنه أن يمكن وزارة الصحة من نشر جرد لعدد الإصابات المسجلة على درجات أرفع وأكثر تدقيقاً وتفصيلاً من حيث التجميع البياني. لو كانت قواعد البيانات هذه متاحة بسهولة دون قيد أو شرط وفق المعايير الدولية، لكان بإمكان جمهور الخبراء والباحثين مواكبة النقاش العمومي وعملية صنع القرار من خلال إسهامهم بتحليلات وتنبؤات مبنية على معطيات موثوقة. ولكانت قواعد الإنتاج العلمي كفيلةً بضمان مراقبة جودة هذه النماذج ومشجعةً على الاقتداء النزيه والمتبادل بين الباحثين على اختلاف مشاربهم.

تجدر الإشارة إلى أنه في بيان صادر مؤخراً، كشفت المندوبية السامية للتخطيط أن هذه المعطيات في مجملها ليست موضوعة رهن إشارة جمهور الباحثين من باب الحرص على حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي. لكن عندما ننظر إلى التكلفة الإنسانية من جراء الأخطاء المرتكبة بسبب تنبؤات مفرطة في التفاؤل، ناهيك عن التكلفة الاقتصادية الناجمة عن تنبؤات مفرطة في التشاؤم، يظهر أنه لربما كان من الأجدى لو تبنَّت كل من المندوبية ووزارة الصحة مقاربة أكثر تقدمية إزاء ممارساتهما المرتبطة بالولوج إلى المعطيات، ويكون ذلك مثلاً من خلال اعتماد إجراءات تمكن الباحثين المثبتة هويتهم من الولوج إلى تلك المعطيات دون المساس بشروط حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.