هل ترتبط الزيادة في تمثيل النساء في البرلمانات العربية بحضور أكبر للمرأة في اللجان التشريعية الأكثر قيمة؟ هذا ما سنراه في هذه الحالة الدراسية لخمس بلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

Français (الفرنسية)

مقدمة

يعتبر تمثيل النساء في المجالس التشريعية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من بين الأضعف في العالم، بمعدل إقليمي يصل إلى 18.2% مقابل 23.9% في إفريقيا جنوب الصحراء و28.2% في الأمريكيتين. غير أن العقد الماضي قد شهد ارتفاعاً مستمراً في نسبة النساء داخل الهيئات التمثيلية بالمنطقة، حيث انتقلت تدريجياً من 6.6% في 2004 إلى 10.5% في 2010، لتصل إلى 19% في 2018.

ويبقى السؤال الرئيسي الذي تسعى إلى الإجابة عنه في هذا المقال مروة شلبي، وهي أستاذة مساعدة بجامعة “ويسكونسن-ماديسون”، وليلى الإمام، الباحثة في العلوم السياسية بذات الجامعة، هو ما إذا كان الحضور المتزايد للمرأة في بعض البرلمانات العربية قد يرتب عنه حصول النساء السياسيات على تأثير وسلطة أكبر داخل هذه المجالس.

لهذا الغرض، تسعى مروة شلبي وليلى الإمام إلى فهم ولوج النساء إلى اللجان التشريعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تحددان على وجه الخصوص الطريقة التي أثر بها تطبيق نظام الحصص على حضور المرأة في أنواع مختلفة من اللجان التي تعتبر ذات قيمة عالية نسبياً وفقاً لأهميتها السياسية ومكانتها. وتصنَّف هذه اللجان حسب أهميتها على الشكل التالي: اللجان المؤثرة (المالية، والعدل، والدفاع)، ثم ما يعرف باللجان التقنية ولجان الشؤون الخارجية (الشؤون الدولية، والفلاحة)، تليها لجان القضايا الاجتماعية (الصحة، والتعليم)، وأخيراً ما يعرف بلجان “شؤون المرأة” (المرأة، الأسرة).

ولإنجاز هذه الدراسة، قامت الباحثتان بجمع بيانات تغطي ما يزيد عن عقد من الزمن (منذ 2009) وتهم 4500 تعييناً في اللجان التشريعية لخمسة برلمانات عربية: الجزائر، والأردن، والكويت، والمغرب، وتونس. وتكمن ميزة هذه البيانات في أنها تمثل عدداً من الأنظمة السياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بما في ذلك الأنظمة الملكية الوراثية في المغرب والكويت والأردن، والنظامين الرئاسيين في الجزائر وتونس. وقد تم تعزيز هذه البيانات، التي خضعت إلى مجموعة من التحليلات الإحصائية، بمقابلات أجريت مع أعضاء برلمانيين من كل واحد من هذه البلدان.

وترى الباحثتان أن تواجد عدد أكبر من النساء في البرلمان يُترجم إلى اهتمام أكبر “بقضايا النساء”، وبالتالي إلى إحداث لجان مخصصة لهذه القضايا، تكون النساء فيها ممثلة بصورة كبيرة جداً. وعلى سبيل المثال، بالنسبة للبلدان الخمسة التي تتناولها الدراسة، فإن النساء، على الرغم من أنهن يمثلن في المتوسط ​​15.8% فقط من مجموع أعضاء البرلمان، يشكلن أكثر من 60% من أعضاء اللجان “النسائية”.

لكن بمرور الوقت، تنجح النساء في الوصول إلى لجان أرفع مكانة، بينما يتقلص حجم اللجان المخصصة “لقضايا المرأة”. وبالنسبة لمروة شلبى وليلى الإمام، فإن وجود صور نمطية منحازة جنسانياً ذات طبيعة مؤقتة هو ما يفسر تهميش المرأة في البرلمانات العربية.

تكليف النساء البرلمانيات بقضايا “المرأة”؟

وفقاً لنظرية الصور النمطية المنحازة جنسانياً ذات الطبيعة المؤقتة التي تدافع عنها الباحثتان، فإن وصول المرأة إلى البرلمان يؤدي إلى إحداث و/أو زيادة حجم ما يسمى باللجان “النسائية”، والتي تشكل النساء غالبيتها.

للتحقق من ذلك، تقارن الباحثتان احتمال أن يكون الفرد عضواً في لجنة معينة باحتمال أن تكون المرأة عضواً في تلك اللجنة، حيث تمكن مقارنة هذين الاحتمالين من تكوين صورة عن مدى زيادة أو نقص تمثيل النساء في لجنة معينة.

وفي ظل وجود نظام حصص يتيح رفع نسبة النساء في البرلمان من 10% إلى 30% من المؤسسة التشريعية، نلاحظ زيادة بنسبة 38% في عدد الأعضاء – رجالا ونساء مجتمعين – في اللجان الأقل قيمة، وهي تلك المخصصة للقضايا الاجتماعية والمرأة. ومع ذلك، فإن هذه الزيادة تهم النساء بالخصوص: حيث يؤدي تطبيق نظام الحصص المذكور أعلاه إلى زيادة بنسبة 144% في عدد النساء داخل هذه اللجان، أي عدد مضاعف بـ2.5 مرات تقريباً.

وبالتالي، إذا كان تطبيق نظام الحصص قد أدى إلى تجديد الاهتمام بالقضايا الاجتماعية و”قضايا المرأة”، فإنه في معظم الأحيان يتم تعيين النساء في هذه اللجان. علاوة على ذلك، تؤدي زيادة حجم اللجان “النسائية” إلى تقليص حجم اللجان الأخرى. وبما أنه من المرجح أن تنضم النساء إلى اللجان التي تعنى بالشؤون الاجتماعية و”النسائية”، فاحتمال التحاقهن باللجان التي ينظر إليها على أنها أرفع مكانة يكون منخفضاً.

على سبيل المثال، بدأ العمل بنظام الحصص في الأردن منذ سنة 2003. وبينما لم تمثل النساء سوى 13 %من النواب البرلمانيين في الفترة الممتدة ما بين 2010 و2020، فإن ما يناهز 95% من أعضاء اللجنة المعنية بقضايا المرأة التي أحدثت سنة 2013 هن من النساء. وفي الفترة نفسها، تراوحت نسبة النساء في صفوف اللجان الأرفع مكانة بين 10% و12%.

إن وجود لجان “نسائية” بشكل خاص من شأنه أن يؤدي إلى إقصاء النساء من اللجان رفيعة المستوى، وبالتالي حصرهن في عمل تشريعي يركز على النوع الاجتماعي، من خلال الدور المنوط بهن تقليدياً في المجتمع، أي قضايا الأسرة والمرأة.

الوصول إلى اللجان المؤثرة: المزيد من الوقت والحصص

وفقاً لنظرية الصور النمطية المنحازة جنسانياً ذات الطبيعة المؤقتة، فإن حضور النساء في البرلمان يصبح مع الوقت أمراً “عادياً”، ويرجع ذلك على وجه الخصوص إلى استدامة نظام الحصص. وبموازاة ذلك، فإن حجم اللجان المعنية “بقضايا المرأة” يتقلص بسبب انضمام النساء إلى لجان أخرى.

وتلاحظ الباحثتان أن مرور الوقت على تطبيق نظام الحصص له تأثير إيجابي على مشاركة النواب البرلمانيين (سواء كانوا رجالاً أو نساء) في اللجان التقنية واللجان المعنية بالشؤون الخارجية عموماً. كما أنه كلما طالت هذه الفترة، انخفض العدد الإجمالي لأعضاء اللجان المعنية بالشؤون الاجتماعية.

بصورة تلقائية، ومع انخفاض عدد أعضاء اللجان الاجتماعية، تبدأ النساء في الانضمام إلى اللجان الأرفع مكانة. والحال أن تطبيق نظام الحصص، مع مرور الوقت، يرتبط بشكل إيجابي باحتمال أكبر لمشاركة النساء في اللجان التقنية والمؤثرة. وكما هو مبين في الشكل التالي، فإن احتمال انضمام المشرعات إلى اللجان المؤثرة، في غياب نظام الحصص، ضعيف عموماً (حوالي 18%). لكن بعد مرور عشر سنوات على تطبيقه، يرجح أن تقفز نسبة النساء اللاتي أصبحن عضوات باللجان المؤثرة من 18% إلى 33%. وبالتالي، فإن نظام الحصص يساهم في تحسين ولوج النساء إلى هذه اللجان بشكل ملحوظ.

الشكل 1: احتمال انضمام النساء إلى اللجان المؤثرة بناء على مدة تطبيق نظام الحصص.

ميزة إعادة انتخابالنائبات البرلمانيات وأعضاء الأغلبية

لقد درست الباحثتان أبعاداً أخرى لنظرية الصور النمطية المنحازة جنسانياً ذات الطبيعة المؤقتة. ويتعلق أولها بالعلاقة بين الخبرة السياسية واحتمال الانضمام للجنة مؤثرة. حيث تلاحظ مروة شلبي وليلى الإمام أن إعادة انتخاب نائبة برلمانية يزيد من فرص انضمامها للجنة مؤثرة بنسبة 85%. وعليه، فإن هناك علاقة مهمة بين احتمال انتماء النساء البرلمانيات إلى لجان مؤثرة وتجربتهن السياسية.

علاوة على ذلك، فإن انتماء عضوة منتخبة إلى حزب في الأغلبية أو إلى الحزب الحاكم يزيد من احتمال انضمامها إلى اللجان التقنية أو اللجان المعنية بالشؤون الخارجية بنسبة تناهز 40%. غير أن الانتماء إلى حزب ينتمي إلى الأغلبية أو إلى الحزب الحاكم ليس له نفس التأثير على احتمال انضمام النساء البرلمانيات إلى اللجان المؤثرة.

وأخيراً، بالرغم من أنه من الناحية النظرية يفترض أن الأحزاب المحافظة تميل أكثر إلى إلحاق النساء بلجان تتناسب مع أدوارهن التقليدية داخل الأسرة والمجتمع (اللجان التي تعنى “بقضايا المرأة ” والشؤون الاجتماعية، أي اللجان الأقل أهمية)، لا تشير الباحثان إلى وجود أي علاقة بين إيديولوجية أي حزب والانتماء إلى لجنة ما. بعبارة أخرى، لا تميل الأحزاب الاسلامية أكثر من غيرها إلى تعيين النساء “باللجان النسائية” والاجتماعية.

خلاصة:

يبين هذا المقال أن الزيادة المباشرة في نسبة النساء المنتخبات في البرلمان لا تسهل وصولهن إلى اللجان المؤثرة وغيرها من اللجان التي يهيمن عليها الرجال، وإنما تعزز احتمال انضمامهن إلى اللجان الاجتماعية وتلك المعنية “بقضايا المرأة”.

بالمقابل، فإن استدامة تطبيق نظام الحصص ترتبط بحضور أكبر للعنصر النسوي في اللجان المؤثرة أو التقنية أو المعنية بالشؤون الخارجية، وكذلك بتراجع مشاركة النساء في اللجان المكلفة بالقضايا الاجتماعية. كما أن الخبرة السياسية مهمة أيضاً عندما يتعلق الأمر بولوج النساء إلى لجان معروفة بهيمنة الرجال عليها تاريخياً.

وبالتالي، يقدم هذا البحث صورة عن التداعيات بعيدة المدى المتعلقة بأثر أنظمة الحصص على التمثيل السياسي للمرأة. كما يسلط الضوء على الآثار الإيجابية لآليات نظام الحصص على القيادة السياسية النسائية، خاصة في الدول غير الديمقراطية والتي تمر بمرحلة انتقالية. هذا ويبدو أن التمثيل المستدام للمرأة من خلال أنظمة الحصص ضروري لتحقيق هذه النتائج، لا سيما في السياقات التي يغلب عليها الطابع الأبيسي والتي يهيمن عليها الرجال، كما هو الحال في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

لمعرفة المزيد:

Comparative Politics, 2020. DOI: 10.5129/001041520X15869554405663