Français (الفرنسية)

تحميل

تقديم

د. دينا الخواجة، مديرة معهد الأصفري، الجامعة الأمريكية ببيروت

يسعد معهد الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة الفاعلة، بالجامعة الأمريكية ببيروت، بدء شراكاته البحثية لهذا العام، عبر إصدار مشترك مع مؤسسة طفرة للبحوث في المملكة المغربية لنص هام عن “سردية الملك الطيب والأحزاب السياسية السيئة ” وكيف تم إعادة تدويرها في النقاش السياسي والبحوث الأكاديمية والحس العام، لشرح آليات عمل المجال السياسي في المغرب لعقود طويلة. ويتناول النص المقدم من د. مونية بناني شرايبي، الباحثة المغربية المعروفة، مجموعة من تنويعات هذه السردية بغية التحرر من هيمنتها، وفتح نقاش أوسع وأعمق عن قضايا المساءلة والإصلاح والتعددية في المجتمع المغربي خصوصاً، و المجتمعات العربية التي تعاني من وطأة سرديات مماثلة بشكل أوسع

وتصدر هذه السلسة تحت عنوان “شراكات بحثية” وهذا هو الإصدار الأول لها تدعيماً لدور معهد الأصفري في فتح نقاش إقليمي عن الجسور الممكنة لربط الأكاديميا بالحياة السياسية في مجتمعاتنا العربية، وتفعيلاً لدور الباحثين العرب في تفكيك السرديات السائدة بين الفاعلين السياسيين و الباحثين والمواطنين علي السواء عن أسباب أزماتهم السياسية المستمرة.

تقديم

يونس بن مومن، رئيس جمعية طفرة

في العام الثامن عشر من حكم محمد السادس، فإن القضية تفهم كما يلي: الأحزاب السياسية مسئولة عن الأزمة السياسية التي تمر بها المغرب، لأنها (الأحزاب) ضعيفة. فهي لا يمكنها تأمين مهمة الوسيط بين الشعب والمؤسسات.  فقدرتها على تأطير مشاركة المواطنين السياسية، ثم التعبير عنها داخل المؤسسات السياسية، معطلة. يشهد على ذلك، منذ عام، “الحراك” في منطقة حيث لم يتمكن أبدا الحزب المسيطر من تقديم نفسه كمتحدث شرعي نيابة عن السكان المحليين. هذا الاستنتاج مشارك من الكثير، لأنه يحمل ختم الحس المتعارف عليه.

برغم من هذا، فإن هذا الاستنتاج ليس بجديد. فمساهمة مونية بناني شرايبي لها الفضل أولا في توضيح ظهور”أزمة الأحزاب”، والتذكير بمساراتها لدي مختلف الكتاب وأفرع العلم، والمؤرخين والسياسيين وعلماء الانثروبولوجيا. هذا التفكير المسبق يسمح بإماطة اللثام عن التفاعلات الحاكمة اليوم للساحة السياسية المغربية، والتي غاليا ما تكون مستترة بفعل الخطاب السائد.

ماذا نعرف عن “أزمة الأحزاب”؟ بادئ ذي بدء، فإنه وفقا لروايتنا الوطنية فإن الحزب الفاشل هو شخصية قديمة. فهو يظهر بمجرد ما يفرض “القصر” نفسه كفاعل مسيطر على اللعبة السياسية،  وذلك على حساب أحزاب الحركة الوطنية. فعلى مدار ثلاثون عاما -سنوات الرصاص- عطل القمع والاستقطاب والانشقاق المجال الحزبي بإقطلاع أنيابه.  ما تذكر مونية بناني شرايبي، فإن الأحزاب “الإدارية” تم إنشائها دوما لملأ “الفراغ السياسي”، و”تمثيل الأغلبية الصامتة”، وجذب “الأكثر كفاءة”، وتطبيق “التوجهات الملكية العليا” بكفاءة.

اليوم، صارت الإنتخابات منتظمة، ونسبيا شفافة وتنافسية. ولكن هذه الإنتخابات مأطرة، تمنع ظهور أغلبية برلمانية، وتقوض الأحزاب لتحالفات غير متماسكة. تتمتع الملكية بحقوق واسعة ولكن دون أن تخضع لأية مساءلة. التعددية الحزبية وإن كانت في المقدمة، فإن جزء من المعارضة لا يستطيع الوصول لا إلى الساحة الانتخابية ولا إلى وسائل الإعلام الرسمية. هذه الصورة اجمالا عن السلطوية الإنتخابية تصنع النظام السياسي والتي صارت المغرب نموذجا أصليا له منذ التناوب في 1998.

ماذا تعلمنا الأدبيات الأكاديمية عن هذا الموضوع؟ في الأصل، فإن وظيفة الحزب السياسي في نظام انتخابي سلطوي هو أن يكون “ضعيف” أو “فاشل”. فهو يسهم بدرجة أقل في التأطير والحشد والحكم، عن تأمين توزيع الموارد والوظائف، و” إعطاء  ضمانات للمستثمرين وللفاعلين الدوليين، أو إضفاء مصداقية على السياسات المطبقة، وخاصة عند التطرق الي بحث المسئولية في حالة الفشل”. من وجهة النظر تلك، فإن الأحزاب السياسية المغربية تقوم بدورها جيدا. فـ5% من المقاعد في المجلس تكفي لرئاسته، وإيقاف حكومة والوصول في النهاية إلى عضويتها. المشكلة أن الناخبين هم من ينفرون.

الأزمة إذن تكمن بصورة أقل في الأحزاب، مقارنة بطبيعة المطالب الموجهة نحو السلطة. في الخطاب، فإن تحريف المسئولية ناحية الأحزاب لم يعد مقنعا. ففي الحسيمة، لم تكن أبدا الأزمة مع أو ضد حزب الأصالة والمعاصرة (le PAM)  حيث كانت بدونه. إذا كان ضعيف جدا، فإن حزبا يصير بلا فائدة. وإذا كان قوي جدا، فإنه يكسرتوازن الكارتل بين الأحزاب ويبدو تهديدا للقصر. فالتركيز على ضعف الأحزاب يرجع إلي إخفاء نقد النظام، الذي هو منبع هذا الضعف.

بدون أن يكون شاملا، هذا التحليل يسمح مع ذلك بإعادة تأكيد الطبيعة المؤسساتية للنقاش. هل يجب أن تكون الأحزاب ضعيفه حتي تبقى الملكية قوية؟. إن عدم القدرة أو رفض مناقشة هذه القضية، ألا وهي تلك الخاصة بفاعل مسيطر يديم هيمنته عبر تبريرها بضعف السياسيين، يشرح الضباب الذي تتوه فيه أية محاولات للإصلاح. تكلف هذه المعضلة البلاد غاليا، بما أنها لا تسمح لا بالثقة في المؤسسات العامة ولا في النتائج الإجتماعية والإقتصادية المستخلصة.

للخروج من هذا، فإن الأمر يستوجب بالضرورة التطبيق الكامل والشامل للمبادئ الدستورية، في مقدمتها العلاقة بين المسئولية والمسائلة. أعمال Tafra حول الإنتخابات التشريعية المغربية تثبت أن نظام التصويت وأشكال التقسيم الإنتخابي تمنع وجود أغلبية برلمانية متماسكة.  بيد أن هذا الأمر تحديدا هو أحد شروط ممارسة المسئولية. هذا المبدأ البسيط مستتر خلف الهندسة الإنتخابية، والتي تصنع من البرلمان مؤسسة غير منظمة ومحكوم عليها بعدم الفاعلية، حيث أن التحالفات المكتظة والمتباينة تصبح الوسيلة الأفضل للتشويش على مسئولية كل من أعضائه.

صنع الخطاب الملكي في 29 يوليو من المساءلة حجر زاوية لتطبيق الدستور. ولكن هذا يستلزم مبادرة يبدو أن لا أحدا اليوم يستطيع توليها: إعادة فتح النقاشات الدستورية لعام 2011، والتي عطلت سرعة زوالها اليوم تطبيق مبادئ منصوص عليها. الدولة لديها اليوم سلطة تنفيذية ثنائية الرأس. فرئيسها، متشحا بشرعيته الدينية، يرأس مجلس الوزراء ويمتلك مجالات محددة. وهو يعرف “التوجهات الإستراتيجية”، ويمد الظهير للوظائف المدنية العليا والعسكرية، ويعين ويستبعد الوزراء. هل ما تبقي لرئيس الحكومة، هذا “الأول ضمن نظراء” من المنتخبين، يبرر المساءلة أو يجعلها على أقل تقدير موثوق فيها؟ لأنه من أجل تقديم كشف الحساب، يجب أيضا أن يكون هناك مسئولية كاملة. تلك هي السردية المضادة التي في طور التطور، لمظاهرات 2011 وحتي تلك التي اندلعت في الريف.